ابن بسام

117

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

الكوارث ، - من أشدها [ 1 ] ضيق الحصار ، وكلب البوار ، وإبطاء المرافق والأنصار - إلى مداخلة الطاغية أذفونش ، فشرعوا في ذلك غير مظهرين للاستسلام ، ولا متبرّءين من الصّبر على ضنك ذلك المقام ، طمعا في أن يغروه ولو بإغلاء سوم ، ويخدعوه على إذماء نفوسهم ولو ببياض يوم ، إشارة الغريق إلى الساحل ، واستراحة المحتضر إلى الطبيب الجاهل ؛ فأبى أذفونش إلّا عرصة الدار ، وأمّ الأوطار ، ولجاجا بين التّمادي والاستمرار ، لعلمه أين ينتهي طلقهم ، وتقديره لما عسى أن يفي به رمقهم . فخرج من أعيانهم جملة إلى مضرب أذفونش في بعض تلك الأيام ، وقد ضاق المجال ، وتلمّظت الآجال ، وأقبلت الحتوف تختال [ 2 ] . ، فقام الحجاب دونه ، وقالوا : هو نائم فكيف توقظونه ؟ فعدلوا إلى مضرب ششنند ، / شرّه العتيد ، وشيطانه المريد ، وهامانه الذي أوقد له على الطّين ، وعلمه الدّفع بالشكّ في صدر اليقين ، أحد أعلاج ابن عبّاد - كان - من رجل متوقّد جمرة الذكاء ، بعيد المذهب بين الجرأة والنّكراء ، سفر بين المعتضد والطاغية فرذلند ، فعقد وحلّ ، ونهض بما حمل من ذلك واستقلّ . ثم خاف المعتضد على نفسه ، فنزع به عرق اللّوم ، إلى المقرّ المذموم . واستقرّت قدمه بجلّيقيّة ، فاضطلع بالدّروب والثّغور ، وغلب على سائر السياسة والتّدبير . وصار بعد قصارى ملوك الطوائف بالجزيرة نظرة من اهتباله ، وأدنى خطرة من باله . فأدخل على أذفونش يومئذ منهم جماعة فوجدوه يمسح الكرى من عينيه ، ثائر الرأس ، خبيث النّفس ، وجعلوا ينظرون إليه وهو يضغث ثغامة رأسه ، فما نسوا دفر أطماره ، ودرن أظفاره . ثم أقبل عليهم بوجه كريه ، ولحظ لا يشكّون أنّ الشرّ فيه ، وقال لهم : إلى متى تتخادعون ، وبأيّ شيء تطمعون ؟ قالوا : بنا بغيّة ، [ ولنا ] في فلان وفلان أمنيّة ، وسمّوا له بعض ملوك الطوائف ، فصفّق بيديه ، وتهافت حتى فحص برجليه ، ثم قال : أين رسل ابن عبّاد ؟ فجيء بهم يرفلون في ثياب الخناعة ، وينبسون بألسنة السمع والطاعة . فقال لهم : مذ كم تحومون عليّ ، وترومون الوصول إليّ ؟ ومتى عهدكم بفلان ، وأين ما جئتم به لا كنتم ولا كان ؟ فجاءوا بجملة ميرة ، وأحضروا بين يديه كلّ ذخيرة خطيرة . ثم ما زاد على أن ركل ذلك برجله ، وأمر بانتهابه كلّه ؛ ولم يبق ملك من ملوك الطوائف إلّا أحضر يومئذ رسله ، وكانت حاله حال من كان قبله ، وجعل أعلاجه يدفعون في ظهورهم ، وأهل طليطلة يعجبون من ذلّ مقامهم ومصيرهم ، فخرج مشيختها من عنده وقد سقط في أيديهم . وطمع كلّ شيء فيهم ، وخلّوا بينه / وبين البلد ،

--> [ 1 ] ص : من إثلها . [ 2 ] ص : تختل .